الحلبي
355
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
والأساقفة : أي رؤساء النصرانية والرهبان ، قلت نعم ؟ قال : انظر يا عمرو ما تقول ؟ إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له : أي أكثر فضيحة من كذب . قلت : وما كذبت وما نستحله في ديننا ، ثم قال : ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي . قلت له بلى ، قال : بأي شيء علمت ذلك يا عمرو ؟ قلت : كان النجاشي رضي اللّه عنه يخرج له خراجا . فلما أسلم النجاشي وصدّق بمحمد صلى اللّه عليه وسلم قال لا واللّه ، ولو سألني درهما واحدا ما أعطيته ، فبلغ هرقل قوله ، فقال له أخوه : أتدع عبدك لا يخرج لك خراجا ويدين دينا محدثا . فقال هرقل : رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به ؟ واللّه لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع ، قال : انظر ما تقول يا عمرو . قلت : واللّه صدقتك . قال عبد : فأخبرني : ما الذي يأمر به وينهى عنه ؟ قلت : يأمر بطاعة اللّه عز وجل ، وينهى عن معصيته ، ويأمر بالبرّ وصلة الرحم ، وينهى عن الظلم والعدوان ، وعن الزنا وشرب الخمر ، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب . فقال : ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا : أي تابعا . قلت : إنه إن أسلم ملّكه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قومه ، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم ، قال : إن هذا الخلق حسن ، وما الصدقة ؟ فأخبرته بما فرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الصدقات في الأموال . أي ولما ذكرت المواشي قال : يا عمرو ، يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه : فقلت نعم ، فقال ؟ واللّه ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا . قال عمرو : فمكث أياما بباب جيفر وقد أوصل إليه أخوه خبري ، ثم إنه دعاني فدخلت عليه ، فأخذ أعوانه بضبعي : أي عضدي ، قال : دعوه ، فأرسلت ، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس ، فنظرت إليه ، فقال : تكلم بحاجتك ، فدفعت إليه كتابا مختوما ، ففض خاتمه ، فقرأه حتى انتهى إلى آخره ، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه ، ثم قال : ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت ؟ فقلت : اتبعوه ، إما راغب في الدين وإما راهب مقهور بالسيف . قال : ومن معه ؟ قلت : الناس قد رغبوا في الإسلام ، واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى اللّه إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين ، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الخرجة ، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك : أي جماعتك فأسلم تسلم ويستعملك على قومك ، ولا تدخل عليك الخيل والرجال ، قال : دعني يومي هذا وارجع إليّ غدا . فلما كان الغد أتيت إليه ، فأبى أن يأذن لي ، فرجعت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه ، فأوصلني إليه ، فقال : إني فكرت فيما دعوتني إليه ، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله هاهنا ، وإن بلغت خيله ألفت : أي وجدت قتالا ليس كقتال